كريم نجيب الأغر

23

إعجاز القرآن في ما تخفيه الأرحام

فالجواب نعم ، هم خير القرون أدبا وورعا وإيمانا ، ولكن قد لا تتكشف لهم بعض المعاني لآيات كونية ، بالرغم من أنهم أفصح منّا لغة ، وأقرب لمصدر بيان القرآن ، وقد يخطئون للأسباب التالية : 1 - أن الشرع سكت عن تبيان بعض الآيات الكونية ، وفقا للآية : سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَ وَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ [ فصلت : 53 ] ليظهرها في المستقبل من خلال كتابه الكريم ، فيتبيّن للناس أن رسالة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم حق . وهذا المستقبل غير محصور بجيل من الأجيال ، أو بوقت من الأوقات ، لأن لفظ الآية جاء مطلقا ، وهذا يدل على أن هذا المستقبل يمتد إلى يوم القيامة . فإذا كان كذلك ، وأظهر اللّه تعالى الحقائق الكونية للأجيال القادمة ، فهذا يعني أنها خفيت على المتقدمين ، وإلا لأظهروها مخافة الإثم . 2 - من شروط المفسّر في علوم القرآن : أن يكون له علم بالعلوم المتعلقة بالآية المفسّرة ، وإلا لأصبح تفسيره أقرب إلى الرأي . جاء في كتاب الإتقان : « ومنهم من قال : يجوز تفسيره [ أي تفسير القرآن الكريم ] لمن كان جامعا للعلوم التي يحتاج المفسّر إليها . . . قال ابن أبي الدنيا : وعلوم القرآن وما يستنبط منه ، بحر لا ساحل له ، قال : فهذه العلوم التي هي كالآلة للمفسر ، لا يكون مفسرا إلا بتحصيلها ، فمن فسّر بدونها كان مفسرا بالرأي المنهي عنه ، وإذا فسّر مع حصولها لم يكن مفسرا بالرأي المنهي عنه . . . وقال ابن النقيب : جملة ما تحصل في معنى حديث التفسير بالرأي خمسة أقوال : ( أحدها ) التفسير من غير حصول العلوم التي يجوز معها التفسير . . . » . وبما أن موضوع الآية المعتبرة في الإعجاز العلمي في القرآن والسنة يتناول حادثة كونية ، فعلى المفسّر أن يلمّ بالعلم الكوني المرتبط بها ، وإلا لزاد احتمال الخطأ . وكما نعلم فإن وسائل البحث في أيّامنا تختلف عن أيام الصحابة - رضوان اللّه تعالى عليهم - وهي أدق ، وبالتالي فإن كلامهم غير ملزم . 3 - أجمع العلماء أن السلف غير معصومين ، وأن العصمة للأنبياء صلوات اللّه تعالى وسلامه عليهم فقط ، وبالتالي فهناك احتمال أن يخطئ السلف ، وقد أكّد السلف وأئمّتهم هذه الحقيقة . في هذا ننقل بعض الأقوال : قال الإمام مالك : كلّ منّا يؤخذ من كلامه ويرد إلا صاحب هذا القبر [ أي النبي محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ] « 1 » .

--> ( 1 ) شرح كتاب التوحيد ، ص 234 .